img
img

أينقص الدين وأنا حي؟!

img
منصة كلنا دعاة

أينقص الدين وأنا حي؟!

خطبة لنهضة أمة

أينقص الدين من أطرافه وأنت تنام قرير العين، هانئ النفس، مرتاح الضمير؟ أترضى بالدنية في دينك وبك رمق من عيش، أو بين جوانحك عرق ينبض بالحياة؟ أما أيقظتك صيحة النملة في أهلها: ﴿يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18]؟

الخُطْبَةُ الأُوْلَى:

الحمد لله العزيز الوهَّاب، القوي الغلَّاب، ناصر أهل الإيمان وهازم الأحزاب، وأشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، أنزل عليه الكتاب بالحق والميزان، والحجة والبيان، والسيف والسنان، اللهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدك ورسولك سيدنا محمد.

أما بعدُ:

فإنَّ أصدقِ الحديثِ كلامُ اللهِ، وأحسنَ الهُدى هُدى سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخيرَ الأمور السُّنَن الشرائع، وشرَّ الأمور المحدَثات البدائع.

وأوصيكم ونفسي بتقوى الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 102].

معاشر المسلمين !

اعلموا أن الدين أمانة في أعناقنا، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: 72].

الدين كرامتك وقيمتك وهمك، الدين نسبك وصهرك وشرفك، الدين مسئوليتك الشخصية والمهنية والأخلاقية، الدين كيانك وذاتك وحياتك، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]، وسوف تسأل عنه، ماذا عملت به، وماذا قدمت له؟

وإن مما يؤلم الأفئدة ويحير العقول الراشدة أن ترى بعض الأمة يبددون بها أوقاتهم في وقت أحوج ما تكون إلى علمهم وعملهم.

وكم هو مؤلم أن يعتزل بعض المصلحين المجتمع، وفي الجانب الآخر جنود إبليس يخالطون الناس صابرين على أذاهم في سبيل نشر الباطل وترويج الضلال والفساد.

قال أبو بكر الصديق للدنيا قولته الخالدة لما منعت العرب الزكاة وارتد من ارتد: إنه قد انقطع الوحي وتم الدين، أينقص وأنا حي؟!

أي: إن ذلك غير ممكن ولا أقبل به أبدًا ما دمت حيًا، ثم أعلنها صريحة وبهمة عالية وبنفسية تحطم صخور اليأس: "والله لأقاتلنهم ما استمسك السيف في يدي، ولو لم يبق في القرى غيري".

فهل ينقص الدين وأنت حي في بيتك وفي منطقتك وفي أرضك؟ نعم ينقص؛ لأنك لم تحمله، ولم تعش له، ولم تدافع عنه.

أينقص الدين من أطرافه وأنت تنام قرير العين، هانئ النفس، مرتاح الضمير؟ أترضى بالدنية في دينك وبك رمق من عيش، أو بين جوانحك عرق ينبض بالحياة؟ أما أيقظتك صيحة النملة في أهلها: ﴿يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18]؟

أما أحرجتك غَيْرة الهدهد على جناب التوحيد، وهو ينادي بالوعيد: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا للهِ﴾ [النمل: 25]؟

أما أحيت قلبك لهفة الميت على قومه بقوله: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: 26]؟

أم أخافتك حمحمات الباطل، فقعدت تلملم أطرافك من شدة الفزع؟ كيف تنام ملء عينيك وعواء الذئاب من حولك؟

أراك ركنت للراحة والدعة، واشتغلت بالعرض الفاني، وانغمست في فضول المساكن والملابس والمراكب والمطاعم والمشارب، فقل لي: متى تشبع؟

لما توفي رسول الله  ارتجفت قلوب المسلمين وأصابت العرب زلزلة عظيمة، وعظم الخطب، واشتد الحال، ونجم النفاق، وارتد من ارتد من أحياء العرب، وظهر مدعو النبوة، وامتنع قوم عن أداء الزكاة، ولم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة والطائف وبعض بطون القبائل، وأصبح وضع الدولة وبناتها من الصحابة وقت الردة، كما قالت عائشة رضي الله عنها: كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية؛ لفقد نبيهم ، وقلتهم وكثرة عدوهم، وهو تصوير دقيق لحالة الخطر القصوى لإحاطة الأعداء بهم من كل جانب، عندها وقف ذلك الرجل، نحيف الجسم، غائر العينين، إلا أنه قوي الإيمان، عظيم الإرادة، عالي الهمة، كان ذلك الرجل هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخليفة الذي بايعه المسلمون منذ أيام قليلة .. وقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه لم يعتره اليأس ولم يستحوذ عليه القنوط، وإنما واجه هذه الأحداث الجسام كلها بإيمان راسخ وعزيمة ثابتة وتفاؤل عظيم، وهو الذي قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جاء يعاتبه على قتال مانعي الزكاة: رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك، جبارًا في الجاهلية، خوارًا في الإسلام؟! ماذا عسيت أن أتألفهم بشعر مفتعل أم بسحر مفترى؟ هيهات هيهات، والله لأقاتلنَّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله  لقاتلتهم على منعها.

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: توفي النبي  فنزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال لهاضها، اشرأب النفاق بالمدينة، وارتدت العرب، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبو بكر بحظها وفنائها في الإسلام.

أينقص الدين وأنا حي؟!

يا لها من كلمة فاض بها لسانه، ونطق بها جنانه، كلمة ترسم منهجًا واضحًا لما يجب أن يكون عليه كل فرد من أفراد هذه الأمة؛ علو في الهمة، قوة في التوكل، ثبات على الحق.

إن الأحزان والمصائب تشحذ الهمم وتصنع الرجال، فإن لم تحفزنا المصائب وتعلي هممنا الآلام والأحزان فما الذي يُعلينا؟ وما الذي يوقظنا؟

إن العبارة على قِصَرها تكشف عن نفسية أبي بكر وتفكيره، وتلخص شخصيته بأنه الاقتداء الشديد بالنبي ، فأبو بكر الصديق يريد أن يسلم الإسلام للخليفة الذي بعده كما استلمه من النبي  دون زيادة أو نقصان، فلا يمكن أن يقبل بأن ينقص أي نقص من الدين الذي استلمه من النبي  مهما كان.

اعلموا عباد الله أن الحجج والمعاذير والمبررات والمسوغات التي إن راجت على الناس لا تروج على الله، قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 14- 15].

لقد اجتمع للأمة في حاضرها ما لم يجتمع لها فيما مضى من التآمر والمكر من عامة الدول الكبيرة سواء أكانت شرقية أو غربية، وعمل على إفسادها من داخلها أعوانًا ظالمين، فهي ردة ولا أبا بكر لها، فكن أنت أبا بكر أمته في علو همته وعظيم تفاؤله.

إن موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه يعلمنا أن المجاهد في ميدان المعركة يجب ألا يتملكه القنوط في بناء العزة، وألا يستحوذ عليه اليأس في تحقيق النصر، ما دام يرى ولو بصيص أمل في نهاية النفق الطويل.

لقد حزم القرآن الكريم اليـأس وندد باليائسين، وقد أثبت صفحات التاريخ أن للأمم المغلوبة التي تتوق إلى المجد انتفاضات وانتصارات.

إنه قد انقطع الوحي وتم الدين، أينقص وأنا حي؟ كلمات معدودات غدت من فم أبي بكر الصديق سنة لأصحاب الدعوات ومن انفطرت -وما زالت تنفطر- قلوبهم كلما ادلهمَّ الأمر بأمتهم، وعصفت بها المحن، واشتدت بها الخطوب، وعظمت بها مكائد الظالمين والمجرمين والمستبدين من داخلها وخارجها.

أَيَنقص الدين وأنا حي؟! حروف بسيطة ترسم منهجًا واضحًا لما يجب أن يكون عليه كل فرد من أفراد هذه الأمة؛ علو في الهمة، قوة في التوكل، ثبات على الحق.

أَيَنقص الدين وأنا حي؟! كانت وما زالت شعارًا لرجال الإسلام يستنهضون بها همم الأحرار في كل عصر يذودون بها عن حياض الإسلام ضد مطامع المستعمرين وظلم الظالمين.

وكانت شعارًا لشيخ الإسلام ابن تيمية يوم أن حرض المسلمين على قتال التتار في وقعة شقحب، وجعل يقول: إن الدائرة والهزيمة عليهم، وأن الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينًا، فيقال له: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، وسمعته يقول ذلك، قال: فلما أكثروا علي، قلت: لا تكثروا، كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ، أنهم مهزومون في هذه الكرة، وأن النصر لجيوش الإسلام، قال: وأطمعت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو، وكانت فراسته الجزئية في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر.

أَيَنقص الدين وأنا حي؟!

إنها شعارٌ لا بد أن يحمله كل مسلم غيور على دينه وأمته، ليلحق بالركب ويكون من أهل الفضل، الذين قال فيهم رسول الله : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك».

استشعر واجبك نحو دينك، فقد قال ربنا في محكم تنزيله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 84]، أما نفسك فهي مأمورة بالصدع بالحق والدفاع عن الدين، فعليك أن ترد الظلم والفساد بيدك، وإن لم تستطع فبلسانك وقلمك وتبين الحق للناس، فربما كلمتك يفتح الله بها الطريق لغيرك، وتكون قاعدة تنطلق منها الأجيال القادمة فتحرر الأمة، ولا تحتقر نشر الوعي فالإمام أحمد عُذب وسيد قطب أعدم بسبب كلماتهم؛ فلا تحقرن من المعروف شيء.

وإن لم تستطع فحصن قلبك واملأه إيمانًا بالله وحب الدين، عمق وعيك، كن فردًا مسلمًا واعيًا يحمل هم دينه، واعلم أن الإنسان ليس أمامه سوى طريقين؛ إما طريق نصرة الدين والسير على درب الصالحين، وإما طريق من خذل دينه فأخذاه الله، واعلم أيضًا أن الشجاعة لا تقدم الموت والانبطاح والوهن لا يُأخره، فالحرب كل يوم تشتد على دينك، والنظام العالمي أخرج كل أسلحته ويعمل بكل طاقته، فكيف يطيب القعود وكل عرى الإسلام نقضت.

تعلم .. انتفض .. اغضب لدينك .. فربما تكون أنت الفاتح محرر الأمة.

إن عالي الهمة لا يستوحش من قلة السالكين، ولا يأبه بقلة الناجين، ولا يلتفت إلى كثرة المخذلين، ولا يكترث بمخالفة الناكبين، قلبه لا يعرف التثاؤب ولا الراحة ولا السكون ولا الترف.

وخسيس الهمة؛ كلما همَّ ليسموا للعوالي، وليرتقي في درجات المعالي، ختم الشيطان على قلبه، وعقد على ناصيته وقال له: عليك ليل طويل فارقد، وكلما سعى للارتقاء بهمته وإقالة عثرته عاجلته جيوش التشويش والأماني، ونادته نفسه الأمارة بالسوء؛ أأنت أكبر أم الواقع؟!

وحين ينتكس الإنسان يهوي إلى الدرك الذي لا يهوي إليه مخلوق قط، حين تصبح البهائم أرفع منه وأقوم، حين يرتكس مع هواه إلى درك لا تملك البهيمة أن ترتكس إليه، وإذا ماتت فيه الغيرة على نفسه وعلى المحارم يصبح أسفل من البهائم.

كان أبو الدرداء رضي الله عنه بدمشق، وسلمان رضي الله عنه بالعراق، فكتب أبو الدرداء إلى سلمان: أن هلُم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يُقدسُ المرءَ عمله.

في سنة ثلاث وستين وأربعمائة؛ أقبل ملك الروم أرمانيوس في جحافل أمثال الجبال من الروم والكرج والفرنج، وتجمل هائل، ومعه خمسة وثلاثون ألفًا من البطارقة، مع كل بطريق ما بين ألفي فارس إلى خمسمائة فارس، ومعه من الفرنج خمسة وثلاثون ألفًا، ومن الغُزّ الذين يكونون وراء القسطنطينية خمسة عشر ألفًا، ومعه مئة ألف نقاب وحفار، ومعه أربعة آلاف عجلة تحمل النعال والمسامير، وألفا عجلة تحمل السلاح والسروج والعرابات والمجانيق، وهو عازم -قبحه الله- أن يجتث الإسلام وأهله، والقدر يقول: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72].

فقام السلطان ألب أرسلان فجمع وجوه مملكته وقال: قد علمتم ما نزل بالمسلمين فما رأيكم؟ قالوا: رأينا لرأيك تبع، وهذه الجموع لا قبل لأحد بها، قال: وأين المفر؟ لم يبق إلا الموت، فموتوا كرامًا، قالوا: أمّا إذ سمحت بنفسك فنفوسنا لك لفداء، فعزموا على ملاقاتهم.

ثم خرج السلطان ألب أرسلان في عشرين ألفًا من الأمجاد الشجعان المنتخبين، فلما ساروا مرحلة عرض على عسكره فوجدهم خمسة عشر ألفًا، فلما سار مرحلة ثانية عرض عسكره فإذ هم اثنى عشر ألفًا، فلما واجههم عند الصباح رأى ما أذهل العقول وحير الألباب، وكان المسلمون كالشامة البيضاء في الثور الأسود، ولما التقى الجمعان، وتراءى الكفر والإيمان، واصطدم الجبلان، طلب السلطان الهدنة، قال أرمانوس: لا هدنة إلا ببذل بلاد الري، فحمي السلطان وشاط، فقال إمامه أبو نصر البخاري: إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره، ولعل هذا الفتح باسمك، فالقهم وقت الزوال - وكان يوم جمعة - فإنه يكون الخطباء على المنابر وإنهم يدعون للمجاهدين.

فصلوا ودعا السلطان وأمّنوا، وسجد وعفّر وجهه، وقال: يا أمراء من شاء فلينصرف فما هاهنا سلطان، ولبس البياض وتحنّط، وقال؛ ليودع كل واحد صاحبه وليوصي، وتواجه الفتيان، ونزل السلطان عن فرسه وسجد لله عز وجل ومرّغ وجهه في التراب ودعا الله واستنصره؛ فأنزل الله نصره على المسلمين، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وأُسر ملكهم أرمانوس، وأُحضر الملك بين يديه وفي عنقه حبل، فقال؛ ما كنت صانعًا لو ظفرت بي؟ قال: أو تشك أنت في قتلك حينئذ؟ قال ألبُ أرسلان: وأنت أقل في عيني من أن أقتلك، اذهبوا فبيعوه، فطافوا به والحبل في عنقه، فما يشتريه أحد، حتى انتهوا إلى رجل، فقال: إن بعتمونيه بهذا الكلب اشتريته، فقال ألب أرسلان: الكلب خير منه، لأنه ينفع وهذا لا ينفع، ثم إنه بعد ذلك أمر بإطلاقه وأن يجعل الكلب قرينه مربوطًا في عنقه، ووكل به من يوصله إلى بلاده، فلما وصل عزلوه عن الملك، فلله الحمد والمنة.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من البينات والحكمة.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخُطْبَةُ الثَانِيةُ:

الحمد لله الذي أمر بالجهاد لتطهير الأرض من الكفر والفساد، ووعد المجاهدين بعظيم الأجر والثواب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله جاهد في الله حق جهاده بالقلب واللسان، والدعوة والبيان، وبالسيف والسنان؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله وسلم تسليماً كثيراً.

أيها المؤمنون !

عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنّه بكى يومًا بين أصحابه، فسئل عن ذلك فقال: فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر، إن فيها مواعظ لمن ادكر.

وقال أبو سليمان الداراني: إني لأخرج من منزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله عليَّ فيه نعمة، أو لي فيه عبرة.

أيها الناس !

اعلموا أن للكرسي شهوة هي أشد من شهوة المال والنساء والولد، والحاكم إن لم يكن عنده من الدين ما يحفظ له توازنه وعقله أصيب بجنون العظمة؛ حتى يرى نفسه فوق مستوى البشر، فربما قال: أنا ربكم الأعلى، كما قال فرعون، أو كما قال النمرود: أنا أحيي وأميت.

أو يظن أن عقله يتسع لأن يشرع للبشرية منهجًا أحسن من منهج الله أو يساويه أو يدانيه، أو يستورد لهم من قوانين الخلق ما يظنه فوق شريعة الرب، وهذا أعظم الظلم وأبينه كما قال عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ [الأنعام: 93]، فتأمل في عاقبتهم واعتبر.

أما فرعون فأغرقه الله في اليم ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات: 40]، وجعل من جثته وجيفته آية وعظة وعبرة لكل الطغاة بعده ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: 92]، فما أعظمها من عبرة ولكن أين من يعتبر؟ ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: 92].

﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ فالذي يعرف ربه ويخشاه هو الذي يدرك ما في حادث فرعون من العبرة لسواه، أما الذي لا يعرف قلبه التقوى فبينه وبين العبرة حاجز، وبينه وبين العظة حجاب، حتى يصطدم بالعاقبة اصطدامًا، وحتى يأخذه الله نكال الآخرة والأولى، وكل ميسر لنهج، وكل ميسر لعاقبة، والعبرة لمن يخشى.

وكم من طاغية أحاط نفسه بمن يظن أنهم يحمونه، وسور على نفسه بألف سور لتحفظه من أهل الأرض، ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: 26].

عباد الله !

اعلموا أن العاقبة لمن اتقى وصبر، فهذا يوسف عليه السلام حسده أخوته وهموا بقتله ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَو اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُم﴾، ويرمونه في الجب، وتمضي الأيام ويمكن الله له في الأرض، بل ويأتيه إخوته أذلة صاغرين، ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90].

النبي  وأصحابه لما هاجروا تركوا ديارهم وأموالهم لله تعالى، فعوَّضهم الله بأن جعلهم قادة الدنيا، وحكام الأرض، وفتح عليهم خزائن كسرى وقيصر، ومكنهم من رقاب الملوك والجبابرة، هذا مع ما يرجى لهم من نعيم الآخرة، فشكروا، ولم يكفروا، وتواضعوا ولم يتكبروا، وحكموا بالعدل بين الناس، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55].

المؤمن يعلم أن المتصرف الحقيقي في الكون هو الله، ها هم المسلمون في حُنين قالوا: لن نهزم اليوم من قِلة؛ فكانت الهزيمة، وفي بدر كانوا ِقلة ونصرهم الله وهم أذلة، فليست الأمور توزن بالقلة والكثرة الظاهرة، بل قلة معها الله منصورة لا محالة، وكثرة معها الشيطان مقهورة لا محالة، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: 249].

فلا تحزن لفرحة ظالم أو لغلبة باطل؛ فإن للباطل جولة وللحق جولات، ودولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، والحق أبلج والباطل لجلج، قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2]، هذه آية جليلة الشأن في الكتاب العزيز سرت مسرى المثل، وذاعت على الألسنة والأقلام؛ لأنها تعني وجوب الاستفادة من تراكم الخبرات البشرية، وأخذ العظة والعبرة من أحوال الأمم.

لا تعتمدوا على شيء غير الله، قال تباركت أسماؤه: ﴿هُوَ الَذِي أَخْرَجَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2] .

لقد كان خروج بني النضير في تلك الصورة المهينة الذليلة حدثًا بعيدًا عن أذهان بني النضير وأذهان المسلمين؛ لأن الأسباب المادية التي أخذ بها القوم كانت على درجة من الإتقان والإحكام تحول دون تصور ما وقع، ولكن العزيز الجبار الذي لا رادَّ لأمره، ولا معقب لحكمه أتاهم من حيث لم يحتسبوا أتاهم من الداخل، فألقى في قلوبهم الرعب، فخارت عزائمهم، وأدركوا أن قوتهم ما عادت تغني عنهم شيئًا.

وما أشبه الليلة بالبارحة! ونسأل الله تعالى أن تعود البارحة فيخرجون من فلسطين أذلة وهم صاغرون، وما ذلك على الله بعزيز.

الدعاء ..

ألا صلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم بذلك ربكم، واعلموا أن الله أمركم بأمر كريم، ابتدأ فيه بنفسه، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الْأَحْزَابِ: 56]، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما صليتَ على آلِ إبراهيمَ، وبارِكْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما باركتَ على آل إبراهيمَ، إنكَ حميدٌ مجيدٌ، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدينَ، الأئمة المهديينَ؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعن سائر الصحابة أجمعينَ، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ، وعنَّا معهم برحمتكَ يا أرحمَ الراحمينَ.

إلهي ! أغلقتِ الملوكُ أبوابَها، وبابك مفتوح للسائلين، يا حي يا قيوم، أنت حبيب المستغفرين، أنت أنيس المستوحشين، إلهي لقد جبرت بخاطر سيدنا محمد  بعد طول حصار وشدة، وأملنا فيك أن تجبر بخواطرنا، وتديم أمنك علينا، وأملنا فيك أن ترفع عن غزة وفلسطين الحرب وأوزارها، وأملنا فيك يا الله أن تجبر بخواطر جميع الأسرى والمعتقَلينَ، إن القلب يكتب والعيون تبوح، والوجه يبتسم، والضلوع جروح.

يا عظيمًا يُرجى لكل عظيم، قد عَظُمَ الخطبُ وفاض البلاءُ، دعوناكَ ربي والقلبُ جريحٌ والطَّرْفُ قريحٌ، والعقلُ هباءٌ.

اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، يا أرحم الراحمين، إلى من تكلنا؟ إلى عدو يتجهمنا، أم إلى قريب ملكته أمرنا، إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لنا، نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بنا غضبك، أو يحل علينا سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.

اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب؛ أذق الصهاينة شر عذاب.

اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم أنزل عليهم رجزك وعذابك إله الحق.

اللهم أنقذ المسجد الأقصى، وأخرج اليهود منه أذلة صاغرين.

اللهم اجعل لأهلنا في فلسطين النصر والعزة والغلبة والقوة.

اللهم إنا نستودعك فلسطين وأهلها، أرضها وسماءها، رجالها ونساءها، شيوخها وأطفالها، فاحفظها ومن فيها من كل شر وسوء يا من لا تضيع عنده الودائع.

اللهم من أراد بأهلنا أو أرضنا السوء فاجعل دائرة السوء تدور عليه يا رب العالمين.

اللهم اكشف الضر عن المسلمين في فلسطين وكل مكان، اللهم انصرهم وثبتهم واجمع صفهم ووحد كلمتهم، واربط على قلوبهم واجبر كسرهم، وكن لهم عونا ونصيرًا

اللهم أقلْ عثراتنا، واغفِر زلاتنا، وكفِّر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار.

اللهم أَعِنَّا ولا تُعِن علينا، وانصُرْنا ولا تَنصُر علينا، وامْكُر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصُرنا على من بغى علينا.

اللهمَّ نسألك بلطفك يا مرتجى أن تديم لطفك وأمنك على أهلنا الضعفاء في غزة يا ربَّ العالمينَ، لطفًا يليق بكرمك يا الله يا ودود، اللهمَّ لطفًا بالأطفال الرُّضَّع، والشيوخ الركع، والبهائم الرتع، اللهُمَّ آو النازحين منهم.

اللهُمَّ إنهم جياع فأطعمهم، اللهُمَّ إنهم خائفون فأمنهم، اللهُمَّ كما سقيت العطشى منهم من بركاتك، امْنُنْ عليهم بدوام السَّكينةِ والأمنِ من عندك يا الله.

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:201].

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .. وأقم الصلاة

تعليقات

الكلمات الدلالية