المحامي الأستاذ عبد الناصر حوشان
طوفان الأقصى يومٌ من أيام الله، ومفخرة من مفاخر المجاهدين الفلسطينيين حيث أسقطت هذه العمليّة هيبة إسرائيل و استخباراتها والاستخبارات الأمريكية، وإن الإرباك والذهول الذي أحدثه العمليّة لدى بعض العرب والهزيمة التي أقرّت بها إسرائيل، و التخبّط الذي أصاب حلفاءها، والحرج الذي لحق بنظام أسد ونظام الملالي يؤّكد أن العمليّة فلسطينيّة صرفة لا تشوبها شبهة الارتباط مع محور المتاجرة أو غيره الأمر الذي دفع بالعدو الإسرائيلي وحلفائه بشنّ حرب همجيّة على غزّة كما قامت بعض الدول الغربيّة بفتح باب تجنيد المرتزقة للقتال إلى جانب عصابات الاحتلال، وقيام الإعلام الغربيّ بتشويه صورة الفلسطينيين واتهام المقاومين بالإرهاب والدعشنة، والتحريض على الفلسطينيين وقيام عصابات الاحتلال بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانيّة.
شرعيّة عمليّة طوفان الأقصى:
قطّاع غزّة ليست أرضاً محتلّة وبالتالي لا تخضع لأحكام ونصوص تنظيم الاحتلال التي نصّ عليها القانون الدوليّ واستناداً إلى ما يلي:
قرار الجمعية العامة رقم ’’3236‘‘ الصادر في / 22/11/ 1974 / الذي اعتبر أن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وحقه في الاستقلال والسيادة الوطنيتين، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، الذي تم تأكيده سابقاً في القرار رقم ’’ 194’’ الصادر في /11 /12/ 1948 / هي حقوق غير قابلة للتصرّف.
وقرار محكمة العدل الدوليّة الصادر في سنة 2004 المتعلّق بشرعيّة بناء الجدار العازل الإسرائيلي والذي تبنّى التعريف القانوني للاحتلال بموجب القانون الدولي العرفي وفق منطوق للمادة ’’42 ‘‘ من القواعد المتصلة بقوانين وأعراف الحرب البرية التي ضُمَّت إلى اتفاقية لاهاي الرابعة لسنة 1907 الذي نصّ على: أن الأرض تعتبر محتلة حينما تكون فعلًا تحت سلطة جيش معادٍ وأن الاحتلال يمتد فحسب إلى الأراضي التي أرسيت فيها مثل هذه السلطة ويمكن ممارستها فيها. مما يوجب على سلطات الاحتلال أخذ فرعي القانون الدولي أي القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في الحسبان.
وعليه دعت المحكمة إلى سيادة القانون قاضيةً بأنه: يجب تطبيق القوانين الإنسانية الدولية وقوانين حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأضافت: أن للجمعية العامة للأمم المتحدة الحق في العمل على هذا الأمر، في ظل وجود تهديد للسلام والأمن الدوليين، وفي حين أن مجلس الأمن ليس قادراً على التعامل مع هذا الموضوع بسبب الاستعمال المتكرر للفيتو من قبل عضو مجلس الأمن الدائم، الولايات المتحدة الأمريكية.
واستناداً إلى حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الذي ينصّ على أنّه: في الأحوال التي لا تنجح قوات الاحتلال فيها بترسيخ أو ممارسة سلطتها على أرض معينة بسبب أعمال عدائية ترتكب ضدّها من قبل مقاتلين من الأرض المحتلة.
وفي هذه الحالات، لا يعتبر القانون الإنساني هذه الأراضي أراضي محتلة وإنما يعتبرها بدلًا من ذلك أراضي تتعرَّض للغزو. وبعبارة أخرى، فإنها تعتبر ساحات معركة، والقواعد التي تنطبق عليها هي القواعد العامة للنزاع المسلح.
حقّ المقاومة حقّ مشروع:
بناءً على ما سبق فإن حق الفلسطينيّين بمقاومة الاحتلال حقٌّ مشروع و إنّ إطلاق صفات الشر على المقاومين منهم والمدنيين ووصفهم بالمجرمين والإرهابيّين إنّما تهدف من ورائه عصابات الكيان الصهيوني إلى تجريد المقاتلين من التمتّع بوضع المقاتل وحرمان من يقع منهم في قبضة العدو من حقهم في المعاملة كأسرى حرب أو حرمانهم من صفة ’’ المدنيين‘‘ للتخلّص من التزام حمايتهم أثناء الحرب وفي هذا انتهاك لأحكام البروتوكول الإضافي الأول الذي وسّع مفهومي ”المقاتلين“ و”أعضاء القوات المسلحة“ التي تحددها المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة ووحّد نظام الحماية وفرض مسؤوليات مساوية على جميع أولئك الذين يحملون الأسلحة ومنح المقاتل بموجب التعريف الوارد في اتفاقية جنيف الثالثة حق التمتّع بوضع أسير الحرب و منع محاكمته عن المشاركة في الأعمال العدائية وينطبق هذا الحكم على أفراد القوات المسلحة للطرف المشارك في النزاع.
وكذلك أفراد الميليشيات أو مجموعات المتطوعين التي تشكل جزءًا من القوات المسلحة ، أو أفراد الميليشيات الأخرى والوحدات المتطوعة الأخرى، بمن فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة حتى لو كان هذا الإقليم محتلًّا أو سكان الأراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح من تلقاء أنفسهم عند اقتراب العدوّ لمقاومة القوات الغازية دون أن يتوفر لهم الوقت لتشكيل وحدات مسلحة نظامية، شريطة أن يحملوا السلاح جهرًا وأن يراعوا قوانين الحرب وعاداتها.
وكما أنّ القانون الإنساني أثناء أي نزاع مسلح لا يعترف بمصطلح ”الإرهابيون“ بشكل قانوني، فاتفاقيات جنيف وبروتوكوليها الإضافيين لا تعترف إلا بتفرقة واحدة في الصفة وهي التفرقة بين المدنيين والمقاتلين وأيضًا بين الذين يشاركون في الأعمال العدائية والذين لا يشاركون أو كفوا عن المشاركة فيها.
وبناءاً على ما سبق فإن ما تقوم إسرائيل من جرائم وممارسات يُشكّل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانيّة ومنها:
الإبادة الجماعية: إن ما تقوم به إسرائيل من استهداف المدنيين بشكل عشوائي في عزّة واخضاعها عمداً لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً عن طريق فرض الحصار ومنع الغذاء والماء والدواء وقتل السكّان بشكل عشوائي واستهداف المرافق الحيويّة والأساسية للحياة تعتبر من قبيل جرائم الإبادة الجماعيّة المنصوص عنها بالمادة ’’7‘‘ من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائيّة الدوليّة.
التهجير القسريّ:
إن أجبار سكّان غزة ودعوتهم للتوجّه باتجاه الآراض المصريّة واستخدام القصف الجويّ والصاروخي واستخدام الأسلحة المحرّمة دوليّاً يعتبر جريمة تهجير قسري وهي من جرائم الحرب المنصوص عنها بالمادة ’’49 ‘‘ من اتفاقيّة جنيف 4 الرابعة والقاعدة ’’130 ‘‘ من دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر للقانون الدولي الإنساني العرفي والفقرة ’’د ‘‘ من المادة ’’7‘‘ من ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائيّة الدوليّة.
تدمير المساكن: كما أن ما تقوم به عصابات الكيان الصهيوني من تدمير المساكن في غزة يعتبر انتهاكاً لنصّ المادة ’’53 ‘‘ من اتفاقيّة جنيف الرابعة وجريمة حرب وفقاً للفقرة ’’4‘‘ من البند’’ أ‘‘ من المادة ’’8‘‘ من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائيّة الدوليّة.
تدمير المساجد وأماكن العبادة: كما أن استهداف المساجد والمدارس والأماكن المعدّة للأغراض الدينية والخيرية والتعليمية والفنون والعلوم والآثار التاريخية أو الأعمال الفنية والعلمية تعتبر انتهكاً لاتفاقيّة المادة ’’56‘‘ من اتفاقيّة لاهاً لنص المادة ’’8‘‘ من نظام روما الأساسي.
استقدام وتجنيد المرتزقة:
كما يُعتبر تجنيد المرتزقة من فرنسا ومن بولندا ومن أوكرانيا ومن أمريكا ومن بريطانيا أو أي دولة أخرى وإرسالهم للقتال إلى جانب العصابات الاسرائيليّة ضد الشعب الفلسطيني جريمة تواطؤ بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانيّة.
ويمكن للسلطة الفلسطينيّة واستناداً إلى صك انضمام فلسطين إلى نظام روما الأساسي وتوقيعها ومصادقتها أو انضمامها إلى ما مجموعه 44 معاهدة واتفاقية منها ’’20 ‘‘ معاهدة وصكوك رئيسية في القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
الخيارات القانونيّة المفتوحة أمام السلطة الفلسطينيّة:
استناداً على قرار الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائيّة الدوليّة المؤرّخ في /05/02/ 2021/ الذي نص على أن: اختصاص المحكمة الجنائيّة الدوليّة الإقليمي في الحالة الفلسطينية يمتد إلى الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ سنة 1967 وهي غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية”.
واستناداً إلى إعلان مكتب المدّعي العام فتح تحقيق في الوضع في دولة فلسطين المؤرّخ في /03/03/2021/ يمكن للسلطة الفلسطينيّة اللجوء للمحكمة الجنائيّة الدوليّة لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن الجرائم المذكورة أعلاه.
اكتب مراجعة عامة